أبي طالب المكي
85
علم القلوب
في قضائه « 1 » ، ولا يحيف في حكمه ، هو الواحد الذي لا إله إلا هو ، فقال الأعرابي : اعلم أنك من أهل بيت النبوة والشرف . قال جعفر الخلدى في معنى قوله : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [ الإنسان : 21 ] : سقاهم التوحيد في السر ، فتاهوا عن جميع ما سواه ، فلم يفيقوا إلا عند المعاينة ، ورفع الحجاب فيما بينه وبينهم . وحكى عن أبي الحسين النوري ، قال : دخلت البادية على التوكل ، وكنت كلما خطر بقلبي مسألة إلى مخلوق ، وشهدت العلة فيّ ، رجعت إلى أول البادية ، ودخلت من الرأس عقوبة لنفسي ، كيف أساءت ظنها بمعبودها ؟ وهي تقصده « 2 » وتريد قربه ، فبينما أنا أسير ، إذ نظرت إلى شاب قد [ أ ] ذابه الحب ، وأحرقه الشوق ، يتنفس تنفس المكروب ، ويشير إشارة المحب إلى المحبوب ، فسلمت عليه ، فنظر إلىّ مليا ، ثم قال : وا عجباه ، هو أنطقك ، وهو إن شاء اللّه يرد عليك . قلت : ما تصنع ها هنا ؟ قال : غلطت يا هذا ، لست أنا بالصانع ، قلت : ما تطلب ؟ قال : أنا مطلوب لا طالب ، قلت : إلى أين عزمك وقصدك ؟ قال : يا هذا ، أنا منذ عشرين سنة بلا عزم ، ولا قصد ، سبانى الحبيب ، فقطعنى عن البعيد والقريب ، وغار علىّ ، فلم يترك لي عزما ، ولا قوة ، ولا فعلا ، ولا إرادة ، ولا اختيارا ، ولا فؤادا ، ولا قلبا ، ثم مع هذا بالتوحيد يطالبنى ، ونفسي بالتخليط تطالبنى ، فلا هو يتركنى مع النفس وتخليطها ، ولا يكشف لي عن التوحيد ويظهر لي فقرها « 3 » ، يقول : وحدى آمرا وناهيا ، وأنا أقول : وحدى داعيا حتى أوحدك بالتوحيد ، معنى وحدى داعيا ، أي أقطع عنى كل ما سواك حتى أصير لك وحدك فأوحدك « 4 » ، ثم أنشأ يقول :
--> ( 1 ) في الأصل : قضية . ( 2 ) إنما جاء ظنها بمعبودها ؛ لأنها نقضت عهد التوكل على اللّه بمحاولة سؤال المخلوق . ويرى الدرقوية من فروع الشاذلية بالمغرب نسبة إلى شيخهم سيدي أحمد العربي الدرقوى ، أن العبد في تدريبه العلمي على التوكل إذا أراد أن يأخذ من العبد ، فلتكن يده للعبد ، وقلبه معلقا بالرب ، نابضا بذكره ، ولا يقدح هذا في توكله ؛ لأن حقيقة التوكل الخروج عن ملاحظة السبب ، ويروى بعض الصوفية أن حقيقة التوكل الخروج عن ملاحظة التوكل ؛ لأن ملاحظة التوكل سبب ينقض عقد التوكل . ( 3 ) في الأصل : قعرها . ( 4 ) أي أجعلك موحدا .